ابن إدريس الحلي

14

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان

فان قيل : كيف قال ها هنا « يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِه » وقال في موضع آخر « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ . ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ » « 1 » وقال في موضع آخر « يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها » « 2 » وقال « وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ » « 3 » وقال في موضع آخر « فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِه إِنْسٌ ولا جَانٌّ » « 4 » وهل هذا الا ظاهر التناقض ؟ قلنا : لا تناقض في ذلك ، لان معنى قوله « وقفوهم انهم مسؤولون » انما يسألون سؤال توبيخ وتقرير وتقريع لا يجاب الحجة عليهم لا سؤال استفهام ، لأنه تعالى عالم بذلك لنفسه . وقوله « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان » أي : لا يسأل ليعلم ذلك منه ، من حيث أنه تعالى قد علم أعمالهم قبل أن يعملوها . وقيل : معناه انه لا يسأل عن ذنب المذنب انس ولا جان غيره ، وانما يسأل المذنب لا غير . وكذلك قوله « يوم لا ينطقون » أي : لا ينطقون بحجة ، وانما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضا وطرح بعضهم على بعض الذنوب . فأما التكلم بحجة فلا ، وهذا كما يقول القائل لمن يخاطب بخطاب كثير فارغ من الحجة ما تكلمت بشيء ، فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه غير متكلم كما قال « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » « 5 » وهم كانوا يبصرون ويسمعون . وقال بعضهم : ان ذلك اليوم يوم طويل له مواضع ومواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام ، وفي بعضها يطلق لهم ذلك ، بدلالة قوله « يوم يأتي لا تكلم نفس الا باذنه » وكلاهما حسن ، والأول أحسن .

--> ( 1 ) . سورة المرسلات : 35 - 36 . ( 2 ) . سورة النحل : 111 . ( 3 ) . سورة الصافات : 24 . ( 4 ) . سورة الرحمن : 39 . ( 5 ) . سورة البقرة : 171 .